حرب يمنية موازية في الفضاء الإلكتروني

في وقت مبكر من الصراع، سيطرت المليشيات الحوثية على نطاق الاتصالات ye، الذي يمكن للمواقع اليمنية استخدامه بدلاً من النطاق دوت كوم، إضافة إلى سيطرتهم على مزود خدمة الإنترنت المحلي شركة يمن نت للسيطرة على المحتوى وإدارة المواقع المحلية

حرب يمنية موازية في الفضاء الإلكتروني

ترجمات - السياق

بموازاة الحرب الدائرة على الأرض منذ سنوات، يشهد اليمن صراعًا آخر، ساحته ليست ميادين القتال وإنما الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام الرقمية والتقليدية، وسط أسوأ أزمة إنسانية في العالم، أودت بحياة ما يصل إلى 377 ألف شخص، وأجبرت 4 ملايين على الفرار.

وذكرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية، في تقرير، أن الحرب الأهلية المروعة في اليمن، تشهد صراعًا آخر يتمثل في نشر المعلومات المضللة عبر الإنترنت وخطاب الكراهية والتطرف، مشيرة إلى أن تلك الأضرار الرقمية لا تؤدي فقط إلى إبطاء الجهود المبذولة لتخفيف انتشار جائحة كورونا، بل تعمق العداوات بين اليمنيين، وتعمل على تقويض فرص التسوية السلمية لهذا الصراع.

واندلعت الحرب الأهلية اليمنية، عام 2014، وسرعان ما تحولت إلى صراع إقليمي بالوكالة، بعد أن سيطر المتمردون الحوثيون -المدعومون من إيران- على العاصمة صنعاء، ما أجبر الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وإدارته على الاستقالة عام 2015، قبل تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية، لدعم الحكم الشرعي في البلاد.

 

حرب من نوع آخر

وذكرت "فورين بوليسي" أنه في وقت مبكر من الصراع، سيطرت المليشيات الحوثية على نطاق الاتصالات "ye"، الذي يمكن للمواقع اليمنية استخدامه بدلاً من النطاق "دوت كوم" "com."، إضافة إلى سيطرتهم على مزود خدمة الإنترنت المحلي شركة "يمن نت" للسيطرة على المحتوى وإدارة المواقع المحلية.

وأوضحت أنه بمرور الوقت، عمد الحوثيون إلى تقييد استخدام الإنترنت، من خلال فرض رقابة المواقع وحجب العديد من مواقع التواصل الاجتماعي مثل Facebook و Twitter و YouTube، بالتزامن مع حملات إلكترونية لحشد الدعم ضد التحالف الذي تقوده السعودية.

ورغم كل هذه المحاولات، للسيطرة على شبكة المعلومات الدولية، فإن المجلة الأمريكية أشارت إلى أن السكان يصفون المواقع الموالية للحوثيين بأنها "حرب ناعمة" مدعمة بأفلام وثائقية وقصص إعلامية ورسوم كاريكاتورية ساخرة ومنشورات على الإنترنت لجذب الجمهور.

وأوضحت أنه لمحاربة المحاولات الأجنبية في عرقلة جهودهم الدعائية المضللة، أقدم الحوثيون على قطع الكابلات البحرية بدعم إيراني.

 

دعاية للميليشيات

وحسب "فورين بوليسي" يبدو أن تلك الجهود، ساعدت الحوثيين في السيطرة على تدفق المعلومات والبيانات عبر الفضاء الإلكتروني، وعززت دعاية تلك الميليشيات في الداخل والخارج.

وأشارت إلى أن اليمنيين، الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، يثقون بوسائل إعلام الميلشيات، حتى لو كانت تنشر معلومات مضللة بشكل واضح وصريح.

ووفقًا لـ "فورين بوليسي" وجدت دراسة استقصائية أجرتها شبكة "DT Global" العام الماضي، أن الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون يعدون قناة المسيرة، الناطقة بلسان الحوثيين المحظورة في دول عدة خارج اليمن، من أكثر وسائل الإعلام موثوقية.

بينما حدد استطلاع عام 2020 أن ما يقرب من 80 في المئة من أولئك الذين يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون، يثقون بمسؤوليهم المحليين، مقارنة بـ 25 بالمئة في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وهو ما يشير إلى أن السيطرة على وسائل الإعلام تؤتي ثمارها.

في المقابل -حسب "فورين بوليسي"- سعت الحكومة اليمنية، للتصدي لتحركات الحوثيين عام 2018 من خلال إطلاق مزود الإنترنت الخاص بها "عدن نت" من الأراضي السعودية، لانتزاع السيطرة من مزودة الخدمة "يمن نت" الذي يسيطر عليه الحوثيون.

وحذرت المجلة الأمريكية، من أن المنافسة على السيطرة على قطاع الاتصالات والمعلومات، يؤدي في النهاية إلى تسميم مشهد وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية، مشيرة إلى أن شبكات الأخبار اليمنية تشهد استقطابًا شديدًا، ويفقد معظم المواطنين خارج المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون ثقتهم بموضوعية وصِدق وسائل الإعلام المحلية.

وشددت على أن التلقي المستمر للأخبار المزيفة، يؤدي إلى اضطراب البيئات المستقرة، فما بالك بمناطق الحروب حيث يمكن أن تصبح المعلومات المزيفة والمضللة قاتلة، لافتة إلى أن "الوصول إلى المعلومات الموثوقة أمر ضروري لتجنُّب المواجهة العنيفة، والحصول على مساعدات الإغاثة، وإرساء السلام والمصالحة نهاية المطاف".

كان زعيم المتمردين، عبدالملك الحوثي، قد وصف عاملين في مجال الإعلام بأنهم "أكثر خطورة" من القوات المسلحة التي كانوا يقاتلونها، وبذلك -حسب المجلة- فإن هذا يؤشر إلى أن هدف الأطراف المتحاربة السيطرة على السرد الإعلامي، بالحد من الوصول إلى مقدمي الأخبار الدوليين والمحليين والافتراء عليهم.

وأشارت إلى أنه لنشر دعايتهم الخاصة، احتكر الحوثيون المعلومات، بما في ذلك وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة، في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم.

 

شيطنة الآخر

ووصفت "فورين بوليسي" وسائل التواصل الاجتماعي، بأنها جبهة حاسمة في أي ساحة معارك في القرن الحادي والعشرين، مشيرة إلى أنه يوجد في اليمن ما يقرب من 3.2 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي، أي ما يقرب من 10 في المئة من السكان، وأكثر من ثلثي هؤلاء موجودون في "فيسبوك"، و24 بالمئة يستخدمون "يوتيوب" بانتظام، ونسبة أقل بكثير في "تويتر"، وهنا قد تكثر حملات (شيطنة) أطراف معينة في الصراع، إضافة إلى استهداف مجموعات مختلفة.

وأوضحت أن الجماعات المتطرفة، تستفيد من تعميق التجزئة والاستقطاب عبر الفضاء الرقمي في اليمن، إذ يُقدر أحد الباحثين أن أكثر من 50 بالمئة من التغريدات التي يُفترض أنها صادرة عن "تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية" تحاول أن تبرز زيادة شعبية تلك الجماعة الإرهابية، وأنها "البديل الشرعي لحكومة هادي".

وأشارت إلى أن اليمن تبرز كأرض اختبار للجهود الإنسانية، لتعزيز النظافة الرقمية وردع الأضرار وسط الحرب الأهلية المستمرة، إذ تدعم "اليونسكو" بعض المنظمات المحلية لمواجهة خطاب الكراهية وتعزيز الوحدة، كما أنها تموِّل جمعية الإعلاميين من أجل السلام، لتدريب الصحفيين اليمنيين على مكافحة المعلومات المضللة.

وأوضحت أنه رغم أنها قد لا تحل التوترات الأساسية، فإن هذه الأنواع من المساعدات الإلكترونية، يمكن أن تساعد في تزويد المواطنين بمعلومات دقيقة بعيدة عن أي تطرف، وبذلك يمكن أن تؤدي في النهاية إلى تعزيز حوارات السلام الرقمية ومفاوضات السلام المحلية، المدعومة من الأمم المتحدة.

وقالت "فورين بوليسي": "لحُسن الحظ، يتولى جيل من نشطاء اليمن البارعين في مجال التكنولوجيا، زمام المبادرة في التصدي للأضرار الرقمية، من خلال استفادة الشباب من إنستغرام وتويتر وتيك توك، للدعوة إلى مزيد من الاهتمام بالأزمة، إذ ينسخ بعض المستخدمين حقائق وأرقام النزاع المسلح، في مقاطع فيديو مصغرة جذابة، تصل إلى مئات الآلاف من المشاهدين".